الأربعاء، 9 أكتوبر، 2013

عشق الرسائل

مفتتح : 
" أحبك قليلاً.. كثيراً.. بحنو.. بشغف.. بجنون.. لا أحبك ! "

                                                                       مي زيادة
21 أيار (مايو) 1921
**********
كانت تفصلهما عن بعضهما آلاف الكيلومترات.. جبال.. صحاري.. محيط عميق وواسع.. لكن ما جمعهما كان أكبر وأعمق.. يمكن اختزال ذلك الذي جمعهم في كلمتين.. إنها مشيئة القدر !
إنها قصة حب رتبتها مشيئة القدر.. قصة جمعت بين امرأة فلسطينية المولد لبنانية التعلم مصرية الإقامة.. صاحبة أشهر وأرقى صالون أدبي جمع عمالقة الأدب في مصر "مي زيادة".. و بين رجل ذو أصول لبنانية السورية.. الشاعر العاشق والفنان والأديب "جبران خليل جبران".. تلك القصة التي بدأت وعاشت وماتت على صفحات الرسائل.. تلك الرسائل العابرة للقارات والبحار والمحيطات والأراضي الشاسعة لتحمل مشاعر وأفكار تبادلها اثنان.. اثنان جمعهما حب الأدب والمشاعر الإنسانية النبيلة.. وترجما كل ذلك في حروف وكلمات نامت بين أحضان أوراق الرسائل، دون أن يدريا أنهما يتركان كنزاً سوف يخلده التاريخ..
بدأت القصة عندما تناهى إلى سمع مي زيادة الحديث الدائر في منتداها عن جبران وأدبه حتى تشوقت إلى معرفته.. وكان أول العهد مقالة قرأتها له كتبها في عام 1908 بعنوان "يوم مولدي" فأعجبت بها.. ودفعها ذلك للبحث والتقصي عن سيرة هذا الأديب ومعرفة أخباره.. وقد زاد كل هذا من شوقها للتعرف به لكنها احتارت في السبيل إلى ذلك.. فهداها تفكيرها في النهاية إلى أن تكتب إليه مبدية إعجابها بأدبه.. في البداية ترددت بعض الشيء خشية أن يهمل رسالتها وهو الأديب العظيم تلميذ نيتشه.. لكنها في النهاية حسمت أمرها وأرسلت أول خطاباتها إليه دون ان تدري أنها تبدأ أجمل وأقسى قصة حب في حياتها.. إن مي الوحيدة، التي وقع في غرامها أغلب من تردد على صالونها الأدبي، لم تكن تعلم أن جبران سيجعلها ترفع الراية البيضاء وتسقط صريعة غرامه.. 
ولأن مشيئة القدر كانت هي اليد السحرية التي تحيك خيوط قصة الحب تلك فلم تخذلها في البداية.. وجاءت رسالة جبران تتهادى على أجنحة البريد القادم من أمريكا حيث كان يقيم رداً على خطابها إليه.. في رسالته إليها أثنى عليها وحدثها عن نفسه وعن كتبه.. وأرفق بها آخر ما كتب "الأجنحة المتكسرة" طالباً منها أن تبدي رأيها فيه.. سعدت مي كثيراً برده فنشطت في قراءة الرواية المرسلة وأخذت تسطر لجبران رأيها فيها..
ثم توالت الرسائل بينهما ولم تنقطع إلا في فترة الحرب العالمية الأولى.. وتوثقت في قلب الرسائل المتبادلة عري الصداقة بينهما على الرغم من أن كليهما لم يحظ برؤية الآخر.. وأخذت مي تعرض في الصحف أعمال جبران وتناقشها مناقشة جادة.. وكانت رسائلها إليه أشد صراحة وأقسى نقداً.. لكن جبران لم يكن يضيق بهذا، بل على العكس وجد في رسائلها السلوى التي افتقدها بتراخي العلاقة بينه وبين حبيبة سابقة كانت تدعى ماري هاسكل.. 
وكما حملت رسائل البريد مشاعر الود وتبادل الأفكار والنقد الأدبي حمَّلها جبران رغبته في أن تزوره مي في بوسطن.. لكن مي فهمت رغبته هذه خطأً وثارت لكرامتها، فأرسلت إليه توبخه.. فرد بعتاب رقيق بأنها أساءت فهمه ثم بعد ذلك انشغل عنها فانقطعت رسائله إليها.. فأقض القلق مضجعها ولم تحتمل.. أرسلت إليه بعدها لتعتذر له وتعلن في خطابها الشهير المرسل في 21 أيار عام 1921 بأنها تحبه.. لقد أحبته دوناً عن كل من التف حولها من الأدباء والمفكرين.. بيد أن جبران لم يكن يبادل مي الحب الذي تتمناه.. لقد أحب منها الصلة الروحية التي جمعتهما ببعضهما.. أو ربما لنقل بأن جبران كان كالطير الحر الطليق لم يستطع احتمال أن يتقيد بحب مي.. أو لربما خشي عليها فقد كان صار في أواخر أيامه وهو بهذا لن يمنحها ما تحتاجه وتريده.. 
ثم تتلاحق الأيام سراعاً واشتد المرض بجبران والمآسي تتوالى على مي.. ففقدت والديها وأرسلت إليه ملتاعة حزينة تقول : "لم يبق إلا أنت أيها الصديق".. بيد أن مشيئة القدر التي جمعتهما كانت هي السبب في فراقهما.. اختطف الموت جبران لينتزع برحيله روح مي.. ففقدت لذة الحياة وآثرت العزلة والانفراد حتى وافتها المنية بعده بعشرة أعوام..
وبرحيلهما تركا لنا كنزاً من المشاعر الإنسانية النبيلة المسطرة على أوراق الرسائل.. الرسائل التي كانت تروح وتجيء بين بلدين لتستقر في قلبين ووجدانين عظيمين !
 ---------------------------------------------------
* مصدر المعلومات من الجزء الأول من كتاب النبي لجبران خليل جبران

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق