الجمعة، 19 يوليو، 2013

علياء

كل يوم ومع غروب الشمس تتخذ موقعها في الشرفة لتراقب الغادي والآتي .. على الناصية المقابلة لمنزلها تقع عيناها على الساحة الفارغة حيث كانت تحتلها فيما سبق بناية مصممة على طراز الباروك .. لم تكن الساحة فارغة تماماً .. كانت تتناثر فيها أكياس القمامة وبقايا الأحجار المتهدمة .. وبين كل ذلك كانت ترعى بعض القطط والكلاب الضالة .. يؤلمها المشهد فتهرب بذاكرتها إلى الماضي .. منذ عشر سنوات كانت تقف بشكل شبه يومي في نفس المكان وفي نفس الوقت في محاولة للاستراحة من عناء المذاكرة.. ومع انتهاء آذان المغرب تكون قد انتهت من لحظات مناجاة السماء أملاً في أن يحقق الله لها ما تريد وتدخل عائدة إلى غرفتها لمواصلة المذاكرة.. ذات يوم وأثناء لحظات المناجاة وقعت عيناها على فراشة صغيرة تدور وترقص بخفة على سطح البناية الواقعة على الناصية المقابلة لمنزلها .. كانت طفلة صغيرة في قمة الجمال تعيث في الدنيا مرحاً وغناء ورقصاً .. يوماً بعد يوم صارت لديها عادة الانتظار في الشرفة حتى تظهر تلك الطفلة .. وصارت مراقبتها مصدر بهجة لها .. في إحدى المرات استجمعت شجاعتها وأخذت تناديها بصوت عالٍ :
- "بِسْ بِسْ .. "
 توقفت الطفلة عن الدوران والتفتت إليها مبتسمة 
- "بتناديني أنا ؟؟"
- "أيوا إنتِ .. اسمك إيه ؟" صاحت بصوت عالٍ
- "علياء" ردت عليها الطفلة بصوت أعلى .. ثم ابتسمت 
- "و أنا أسماء " ردت هي الأخرى و بادلتها الابتسام .. ثم أردفت "إنتِ في سنة كام؟"
- "في تانية ابتدائي.." أجابت وهي تدور على أرض السطح 
- "وانا في تانية ثانوي .." كانت تود أن تفعل مثلها وهي تجيب لكنها لم تكن تستطيع
لم تدرِ حينها كيف دار الحوار بينهما.. كل ما تذكره أنهما لم تتوقفا عن الكلام والضحك والابتسام .. تحدثتا حول أشياء كثيرة كانت في الغالب متعلقة بالألعاب وهوايات كل منهما .. واتفقتا أن تلتقيا كل يوم في نفس الموعد .. وكل يوم كانتا تلعبان لعبة مختلفة أو تغنيان معاً .. لم تعبأ حينها بأن تلك الطفلة تصغرها بثماني سنوات وأنها تقف مجازاً "في الشارع" وأنه لا يجوز ما تفعله .. لكنها كانت تنسى معها كل شيء .. ولا تتذكر فقط سوى طفولتها التي تحن إليها بشدة .. كانت علياء وحدها القادرة على إبهاجها وخلق لحظات جميلة تستمتع بها كثيراً ..
ثم جاء اليوم الذي كانت تخشاه .. في نفس الموعد المعتاد كانت علياء تقف حزينة وشاردة على سطح البناية .. فسألتها : 
- "مالك ؟"
- "هنعزل من البيت بعد 3 أيام .. " 
أصاب كلتيهما الحزن وسادت فترة صمت طويلة .. ثم قالت :
- "هتفضلي فاكراني مش كده ؟!"
- "طبعاً طبعاً"
- "إنتِ هتوحشيني أوي !"
- "وإنتِ كمان !"
ثم سمعت علياء أمها تناديها فألقت بالسلام سريعا مع قبلة في الهواء وغادرت السطح دون أن تعلم بأن هناك دموع تلمع في عيني طفلة كبيرة كانت تقف في الشرفة المقابلة! .. ومنذ ذلك الحين وفي نفس الموعد اليومي كانت تقف فتاة تكبر عاماً بعد عام لكن قلب الطفلة بداخلها لم يكبر أبداً .. ذلك القلب الذي صار يتعذب بالحنين عاماً بعد عام !!
طيري يا طيارة - فيروز 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق