الأربعاء، 12 مارس، 2014

مكتبة المحبة

"المحل للإيجار .. على الراغبين الاتصال بالرقم ........ "
وقف من بعيد وهو يراقب الشاب الذي يقوم بتعليق تلك اللافتة على باب المحل الحديدي.. أطلق تنهيدة حارة وجلس على الرصيف متحسراً على ما يحدث.. لم تكن تلك المرة الأولى التي يجلس فيها أمام محله السابق.. شهر مضى وهو يحاول تقبل فقدانه لمحله الحبيب، الذي أجبرته الظروف على تركه.. ثلاثون صباحِ ومساء كانت ترحب به خلالها، تلك البقعة من الرصيف المقابل للمحل ليعيش لحظات التأمل والحسرة.. 
يتذكر البداية.. الولع بالكتب أثناء فترة الدراسة الجامعية.. الوقوف مع جده أمام "فرشة الكتب" بسور الأزبكية.. عدم تحمله لقيود العمل الحكومي بعد التخرج.. قراره بشراء محل ليبدأ مشروعه الخاص.. مكتبة لبيع الكتب.. كل أنواع الكتب.. وليكن اسمها مكتبة المحبة.. صوت أم كلثوم المؤنس له طوال ساعات البقاء في المكتبة.. اصطحابه لطفله الأول خلال إجازته الصيفية إلى المكتبة ليسقيه من نبع عشق الكتب المحيطة بهم.. غلاء أسعار الكتب وقلة عدد المترددين على المكتبة.. انحناءة ظهره وضعف نظره يوماً بعد يوم حتى أقعده الفراش.. قرارهم بغلق المكتبة لحين تحسن حاله..يفيق من الذكريات وينهض متثاقلاً على وعد لنفسه بالعودة في الصباح التالي.. 
في اليوم الحادي والثلاثين في تمام الثانية ظهراً، التوقيت الذي اعتاد فيه غلق المكتبة لنيل قسط من الراحة والغداء.. بوغت بمشهد غريب لرجلين يتصافحان أمامها.. لم يفهم شيئاً وأخذ موقعه المعتاد للمتابعة.. في المساء وجد بعض الأشخاص وقد أزالوا لافتة الإعلان وبجوارهم أدوات للتكسير والهدم.. دق قلبه بخوف.. 
في صباح اليوم الثاني والثلاثين في تمام الموعد الذي اعتاد فيه فتح المكتبة وجد أن مخاوفه قد تحققت.. اللافتة التي كانت تحمل اسم المكتبة ملقاة على الأرض وتدوسها أقدام الغادين والرائحين.. الباب الحديدي قد أُزيل.. بدأ العمال في تكسير وهدم ما بالداخل.. الأرفف الزجاجية قد أزيلت والكتب ملقاة في أكوام بانتظار ولده ليأخذها.. وإلى جوار المحل لافتة بالاسم الجديد .. كبابجي المحبة
شعر بدموعه تتدفق ساخنة على وجنتيه المجعدتين.. نهض من مكانه فوق الرصيف .. واستدار صاعداً إلى مثواه الأخير.. هناك فوق في أعالي السماء !
 

هناك تعليق واحد:

  1. مش عارف اعلق أقول إية!
    الراجل ده يشبهنا، واللمحة دي هي واقعنا. لا مكان للكتاب وكل الأماكن متاحة للكباب!
    ..
    أثرت جداً فيا القصة يا أسماء.
    بجد جميلة. :)

    ردحذف