الثلاثاء، 11 فبراير، 2014

حاجة حلوة

رغم الغيوم اللي مخبياها، كانت الشمس لسه قادرة تثبت وجودها..
بصيص الضوء اللي بيزاحم الغيوم، كان بيقول إنه لسه فاضل ساعتين بحالهم على صلاة العصر..
والناس في الشارع كانوا عاملين زي النمل اللي ماشي بهمة، عاوز يلحق يروح بيته..
بس العجيب إن شوية منهم كانوا مكشرين والباقيين باين عليهم.. 
أما هو فكان ماشي في قلب الزحمة كأنه في ملكوت لوحده.. 
بيزق عربيته بكل همة ونشاط، وابتسامته مرسومة بمنحنى واسع على شفايفه..
استغربت وجوده في وسط المشهد العبثي ده..
لكن هو ما كانش مهتم بكل ده...
واكتشفت السبب ورا عدم اهتمامه ده..
أصله كان ماشي في ملكوته ومزيكته الحلوة مصاحباه..
مزيكا عزفها بأداة غريبة كده، لما دققت النظر فيها عرفت إيه هي..
طلعت مقصوصة من اللي بتستخدمها ربات البيوت في المطبخ عشان تطلع بيها الأكل من الصينية..
هو كمان كان بيعمل زيهم..
بس الفرق إنه كان بيطلع حتت البسبوسة اللي زي الشهد من الصواني عشان يبيعها للي عاوز يحلي بقه..
وقدر الراجل ده في وقت قصير إنه يخليني أحس بشعورين متناقضين..
كنت فرحانة بيه وقلقانة عليه..
فرحتي بيه كانت نابعة من دهشتي بإنه لسه فيه حد زيه كده..
وإعجابي بإنه لسه مصر يكافح عشان يكسب لقمته، وسط غيلان محلات الحلويات وإهمال الناس..
وقلقي عليه ظهر لأني كنت عاوزاه يروح مجبور الخاطر ويبيع كل حتت البسبوسة اللي معاه..
كان كل اللي بيطمن خوفي الجملة المكتوبة على عربيته :
الله يفتح ولا أحد يغلق 
أما هو بقى فالخوف ده عمره ما عرف طريقه ليه..
كان بيقف قدام كل محل شوية، ويعزف موسيقاه الرنانة بالمقصوصة إياها فابتسم وأقول يارب حد يشتري منه..   
 ويطول في الوقفة على قد ما يقدر، ولما ما حدش يشتري يمشي وراسه مرفوعة وابتسامته بتنور وشه..
لحد ما وقف قدام محل ملابس خرج منه راجل في أواخر التلاتينات..
خرج زي الملهوف وكأن نغمات المقصوصة سحرته وأخدت منه عقله ووقاره..
وقف قدام بياع البسبوسة وطلب منه حتتين..
البياع فرح ولف له حتتين البسبوسة في ورق نضيف وبعدين ناولهمله..
الراجل نده على حد من جوا عشان يطلع ياكل معاه البسبوسة..
وطلع الحد ده ابنه الصغير..
قعدوا ياكلوا البسبوسة مع بعض، وهو بيحكيله عن ذكرياته زمان مع واحد بياع شبه البياع ده لما كان في سنه..
وفي اللحظة اللي كانوا هما منهمكين فيها في الأكل، كان بياع البسبوسة بيكمل زق لعربيته..
كان بيواصل رحلته في الشارع عشان يوصل لمحطة جديدة قدام محل تاني..
محطة شايله له الرزق والفرحة وشايله لغيره اللذة والذكريات الحلوة.. 

هناك تعليق واحد:

  1. ياااااه
    مست مشاعري جداً.
    ومش هاقدر أقول حاجة اكتر من كدة.

    ردحذف