الجمعة، 21 فبراير، 2014

المتهم البريء

خلف القضبان وجدته لا فوق منصة القضاء كما اعتاد الجلوس..
كان يقف ثابتاً شامخاً رغم مسحة الحزن التي تطل من عينيه..
اقتربت منه وحييته في احترام يليق بمكانته في نظري، لا بمكانه الذي حُكم عليه بالبقاء فيه.. 
استأذنته بأن أطرح عليه بعض الأسئلة فلم يمانع، وهكذا كانت البداية..
- من أنت ؟
- اسمي قاسم أمين .. وأنا إنسان مصري النشأة.. شاهدت الظلم أشكالاً وألواناً.. لكن أكثر ما أوجعني ظلم المرأة.. بالرغم من أنها هي سبب حياتنا ورقينا جميعاً!
- يقولون أنك كنت تدعو للسفور والخروج عن الدين؟
- لم أدعُ إلا لرفع الظلم عن المرأة ونيل حريتها.. وما خالفت الدين قط.. وكيف أفعل هذا وأنا مؤمن بالله.. لكنني عدت إلى أصول الدين حين كانت المرأة يُؤخذ رأيها في الحرب ويُتلقى العلم على يديها.. عدت إلى تاريخنا حين كانت المرأة ملكة وممرضة وقبل كل ذلك ابنة وزوجة وأم يقوم على كاهلها كيان أسري ناجح.. أبعد كل هذا أُتهم بهذه التهمة الفظيعة !!
- ما ردك على قولهم بأنك نفذت مخططاً استعمارياً أراده الانجليز والفرنسيين؟!
- لم أفعل ذلك طبعاً.. لقد ألقيت فقط حجراً حرك الماء الراكد.. ولولا مساندة شيخي الجليل محمد عبده لكنت أنا نفسي صدقت ما يقولون.. بالله عليكِ قولي لي كيف سيكون شعور امرأة يتم الزواج عليها  ويُؤخذ ميراثها ولا يُؤخذ رأيها في أمر زواجها وتكون النهاية أن تتزوج من هو أكبر منها بعشرين أو ثلاثين سنة؟!.. وكيف سيكون شعورها عندما تأتي نسمة أمل تحفزها على رفض كل هذا والحصول على حقها الذي نص عليه الدين ؟!.. لو كان هذا مخططاً استعمارياً فأهلا ومرحباً به!!
- ما أكثر ما يحزنك ؟!
- أن بعض النساء والفتيات في العصر الحالي أساءوا إلى الحرية التي كافحت من أجل أن يحصلن عليها.. والأقبح أنهن يلمنني لأنهن نزلن من بيوتهن إلى العمل ويكافحن من أجل لقمة العيش ويتعرضن للتحرش.. ليس ذنبي أن ذلك المجتمع المريض المتخلف أساء إلى كفاحي وكفاح الإمام محمد عبده.. حقاً ليس هذا بذنبي.. لكنني أتألم وأخاف أحياناً أن أحمل وزر كل ما يحدث اليوم!!
بالإضافة إلى ذلك فإنني حزين على فراق صديق عمري سعد زغلول والإمام المعلم الملهم محمد عبده.. لكننا أثق بأن لنا لقاءً قريباً في جنة الخلد..
وهنا تبخرت القبضان وتحولت صورته إلى مجرد دخان في الهواء.. 
فرحلت تاركةً خلفي أسئلة كثيرة تؤرقني..
لكنني للأسف لن أجد لها أية إجابة !!!

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق